اسماعيل بن محمد القونوي

183

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الاعتذار عند الملك العلام الغيوب قوله وتنويع التقرير أي التثبيت في الأذهان أو الحمل على الإقرار إجمال ما فصلناه . قوله : ( إلا كانوا عنه معرضين ) استثناء من عموم الأحوال وحال بتقدير قد والمعنى وما يأتيهم من ذكر مبتدأ من الرحمن « 1 » في حال من الأحوال إلا وقد كانوا معرضين عنه أي حال كونهم معرضين عنه فيه إشارة إلى أن إعراضهم عقيب إتيانهم بلا تلعثم وبلا نظر صائب . قوله : ( إلا جددوا إعراضا عنه وإصرارا على ما كانوا عليه ) إلا جددوا إعراضا عنه قوله : ( إلا جددوا إعراضا فإن قيل قوله تعالى : كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] لا يدل إلا على المضي ولفظ معرضين لا يدل إلا على الثبوت لا التجدد فمن أين قال المفسر في تفسيره إلا جددوا إعراضا وأي لفظ أفاد الاستمرار التجددي قلنا معنى التجدد والاستمرار مستفاد من وقوع المضارع وهو ما يأتيهم مقابلا للمضي كما اعتبروا الاستمرار التجددي من وقوع المضارع في حد المضي في قولهم لو تحسن إلي لشكرت قال صاحب المفتاح قصدوا بتحسن أن إحسانه مستمر الامتناع فيما مضى وقتا فوقتا وأما لفظة محدث فلتوكيد معنى التجدد المستفاد من يأتيهم في ما يأتيهم من آية قال الطيبي رحمه اللّه وأما قضية النظم فإن هذه الآية متصلة معنى بقوله تعالى : طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ [ الشعراء : 1 ، 2 ] فإنه تعالى أعلم أولا أنه أنزل هذا الكتاب الكريم في نهاية من الوضوح والبيان وأنهم ما رفعوا إليه رأسا ثم نبه ثانيا على أن هذا الكتاب مع وضوح آياته إنما أنزل على سبيل التدرج ليكون ادخل في التذكير وانجع في الاتعاظ به وهم مع ذلك قابلوا كل حصة منه بتكذيب واستهزاء كل ذلك تسلية لحبيبه لئلا يذهب بنفسه حسرات ولذلك أوقع قوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الشعراء : 3 ] الآية اعتراضا بمعنى انظر إليهم وإلى ما فعلوا بمثل هذا الكتاب الكريم على أنه قادر على أن يقسرهم على الإيمان وهم مهانون خاضعون فاشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلامهم وأنت أيها المتأمل في كتاب اللّه المجيد إذا أمعنت النظر فيما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة وجدته نازلا تسلية لقلب الحبيب صلوات اللّه عليه من تكذيب القوم إياه والطعن فيما أنزل عليه والاستهزاء به ألا يرى كيف ذيل كل قصة من القصص المذكورة فيها بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشعراء : 9 ] وجعل كالتخلص إلى قصة أخرى وكالمهتم بشأنه فرجع إليه إذ لو جد له محل يناسبه يعني لا تتحسر على إصرارهم على الكفر وتكذيبهم ما أنزلنا عليك إن ربك عزيز منتقم ورحيم عليك بأن يقدر لك من يؤمن بك إن لم يؤمن هؤلاء ولذلك قرن معه وقدم عليه كل مرة قوله : وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 67 ] ومن تسليته تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن بدأ سبحانه بأمر نفسه وذكر أنه تعالى مع كبريائه وجلاله أنزل عليهم دليل السمع فاعرضوا وكذبوا واستهزؤوا ونصب لهم الدلائل الظاهرة وأراهم آيات يفتح بها أعينهم من إنبات كل صنف بهيج فما التفتوا ولا رفعوا له رأسا ثم فصل ذلك بتلك الفاصلة وقرنها بتلك القرينة وثنى بقصة موسى عليه السّلام وختمها أيضا بتلك الفاصلة والقرينة وثلث بقصة الخليل عليه السّلام وختمها بها وهلم جرا إلى آخر السورة وقال انظر أيها المتأمل في

--> ( 1 ) إشارة إلى أن من في الرحمن ابتدائية .